جلال الدين السيوطي
69
معترك الاقران في اعجاز القرآن
جهاده للنصارى في آخر الأمر ؛ كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب ؛ ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذي اتفق عليه الأنبياء ، فخوطب به جميع الناس ، والسور المدنية فيها خطاب من أقر بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين ؛ فخوطبوا بأهل الكتاب ، يا بني إسرائيل ، يا أيها الذين آمنوا . وأما سورة النساء فتضمنت أحكام الأسباب التي بين الناس ، وهي نوعان : مخلوقة للّه تعالى ، ومقدرة لهم ؛ كالنسب والصهر ؛ ولهذا افتتحت بقوله « 1 » : « يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها » . ثم قال : « وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ » . فانظر هذه المناسبة العجيبة بالافتتاح وبراعة الاستهلال ، حيث تضمنت الآية المفتتح بها نظير السورة في أحكامه من نكاح النساء ومحرماته ، والمواريث المتعلقة بالأرحام ؛ وإن ابتداء هذا الأمر كان بخلق آدم ثم بخلق زوجته منه ، ثم بث منهما رجالا كثيرا ونساء في غاية الكثرة . وأما المائدة فقد تضمنت بيان تمام الشرائع ، وتكملات الدين ، والوفاء بعهود الرسول ، وما أخذ على الأمة ؛ وبها تم الدين ؛ فهي سورة التكميل ؛ لأن فيها تحريم الصيد على المحرم الذي هو من تمام الإحرام ، وتحريم الخمر الذي هو من تمام حفظ العقل والدين ، وعقوبة المعتدين من السراق والمحاربين الذي هو من تمام حفظ الدماء والأموال ، وإحلال الطيبات الذي هو من تمام عبادة اللّه ؛ ولهذا ذكر فيها ما يختص بشريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ كالوضوء ، والتيمم ، والحكم بالقرآن على كل ذي دين ؛ ولهذا أكثر فيها من لفظ الإتمام والإكمال ،
--> ( 1 ) النساء : 1